القاسم بن إبراهيم الرسي
117
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
ولو فرضنا أن حزبا ما ، تقدم إلى الناس وقد أضاف إلى جملة المواد التي تبين للجماهير منهاجه وتوضح أغراضه ، مادة أخرى تصرّح أو تلمّح ، بأن لكل منتم للحزب ألا يعمل بمبادئه وألا يتقيد بتعاليمه ، لقال الناس أجمعون : هذا هو العبث والمجون ! فكيف نتهم الإسلام بأنه يحمل في ثناياه ما يهدمه ؟ وكيف ننطلق إلى نصوصه نبحث بينها عن ( المادة ) التي تبيح الخروج عليه واللعب به ؟ وكيف ندعي أن الأعمال أمر كماليّ بحت ، لا يضير نقصانه ؟ أولئك هم الحمقى : الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [ الأعراف : 51 ] . وعلى رؤوسهم يقع التفريط الهائل في إقامة حدود اللّه وأداء فرائضه . وما أصاب المسلمين من كوارث ونكبات عندما فهموا دينهم على ذلك النحو الأبتر . أمة تعتبر العمل من ( الكماليات ) الخفيفة ، كيف يقوم لها دين ؟ أو تقوم بها دنيا ؟ إن اللّه - عز وجل - جعل العمل رسالة الوجود ووظيفة الأحياء ، وجعل السباق في إحسانه سر الخليقة ودعامة الحساب . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( 2 ) [ الملك : 2 ] . وما من آية في كتاب اللّه ذكرت الإيمان مجردا ، بل عطفت عليه عمل الصالحات ، أو تقوى اللّه ، أو الإسلام له ، بحيث أصبحت صلة العمل بالإيمان آصرة لا يعروها وهن . فإذا عقدت مقارنة بين الهدى والضلال ، جعل الإيمان والعمل جميعا في كفة ، وجعل الكفر في الكفة الأخرى . وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ [ غافر : 58 ] .